الراغب الأصفهاني
231
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ما يعرف به فضيلة العلم « 1 » فضيلة العلم تعرف بشيئين أحدهما : بشرف ثمرته والآخر بوثاقة دلالته ، وذلك كشرف علم الدين على علم الطب فإن ثمرة علم الدين الوصول إلى الحياة الأبدية وثمرة علم الطب الوصول إلى الحياة الدنيوية المنقطعة ، وعلم الدين أصوله مأخوذة عن الوحي وأصول الطب أكثرها مأخوذ من التجارب ، ورب علم يوفى على غيره بأخذ الوجهين وذلك الغير يوفى عليه بالوجه الآخر كالطب مع الحساب فللطب شرف الثمرة إذ هو يفيد الصحة وللحساب وثاقة الدلالة إذ كان العلم به ضروريا غير مفتقر إلى التجربة ، وليس يجب أن يحكم بفساد علم لخطأ وقع من أربابه كصنع العامة إذا وجدوا من أخطأ في مسئلة ما حكموا على صناعته بالفساد وإذا رأوا من أصاب في مسئلة حكموا على صناعته بالصحة وذلك عادتهم في الطب والتنجيم فيعتبرون الصناعة بالصانع خلاف ما قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه : ( يا حار ، ملبوس عليك الحق ، إن الحق لا يعرف بالرجال ، أعرف الحق تعرف أهله ) « 2 » ، وليس يدرون أن الصناعة مبنية على شيء روحاني ، والمتعاطى لها يباشرها بجسم وطبع يضامها العجز ، فهو خليق بوقوع الخطأ منه ، ثم إن الإنسان قد ينتحل ما لا يحسنه ، ويتذرع بدعوى ما لم تجز آلته ، ثم كثير ممن يتخصص بصناعة يدعى لصناعته ما ليس في طبعها ككثير من المنجمين المدّعين ما لا يوجد في التنجيم ، فإذا لا اعتبار بدعاوي الناس .
--> ( 1 ) في ط ، د « العلوم » والإفراد هنا يناسب ما جاء في المبحث نفسه . ( 2 ) موجود في نهج البلاغة في هذا المعنى : « إنك لم تعرف الحق فتعرف من أتاه ، ولم تعرف الباطل فتعرف من أتاه » نهج البلاغة / 399 .